أحمد بن ابراهيم النقشبندي

230

شرح الحكم الغوثية

فرقك ، فتجعل صلاتك ونسكك ومحياك ومماتك للّه رب العالمين ، لا شريك له ، مقتديا بآثار سيد المرسلين ، فتكون حينئذ أديت ثمن التصوّف ، وحزت المثمن ، وتملك من محاسنه كل معنى حسن . وعلامة تحققك بذلك أيّها السالك لكونك تميل إلى الإنفاق أكثر من ميلك إلى أخذ مالك . 103 - من كان الأخذ أحب إليه من الإخراج فليس بفقير . إذ حقيقة الفقر كما تقدّم هو التجرّد عن السوى ، فمن كان الأخذ أحب إليه من الإخراج لم يفارق الهوى ، فأنّى له والتحقق بالفقر إلّا من أخرج عن قلبه الكونين ، ودخل في صلاته الحقيقية ، وخلع كما قال بعضهم : واخلع النّعلين إن جئت إلى * ذلك الوادي ففيه قدسنا وعن الكونين كن منخلعا * وأزل ما ينفك من بيننا فإذا أردت أيّها الأخ النزول في هذا المقام فاحرق الطمع بنار الخوف تلح لك أعلام تلك الخيام . 104 - الخوف إذا سكن القلب أورثه المراقبة . لأن الإنسان إذا خاف من أمر توجّه إليه وراقبه ، وحاسب نفسه ، وأكثر عليها في ذلك اللوم والمعاتبة ، وهكذا السالك إذا سكن قلبه خوف مولاه ، وعلم أنه ناظر إلى أفعاله القبيحة في صباحه ومساه ، كان له بسبب ذلك أتم المراقبة ، وجاهد نفسه في منعها عن ذلك ، وعاتبها أشد المعاتبة ، يقطع عنها لذيذ المنام ، ويذيقها الجوع ، ويحرمها التلذذ بالطعام ، ويبعدها عن المعارف والإخوان ، ويتغرب بها عن المعاهد والأوطان ، وهو في ذلك مراقب أحوالها ، وينظرها هل هي نزلت بتزكيتها ، أم هي متلطخة بقبيح أفعالها ؟ حتى إذا تزكت وطهرت وصار خمرها خلّا صير حينئذ دائها دوائها ، حيث خالفته هواها مع أبشاعها ، ما قيل هيهات لا يكون . والحكاية المشهورة عن الجنيد رضي الله عنه تشرح هذا المقال ، قال :